أحمد مصطفى المراغي
5
تفسير المراغي
فإن لم يخرج منه شعيب ومن آمن معه إخراجا وهم كارهون ، كما أخرج خاتم النبيين مع صحبه السابقين الأولين إلى الإسلام - خرجوا مهاجرين كما فعل إبراهيم عليه السلام - كما حكى اللّه عنه : « وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . وقد أوجب اللّه الهجرة على من يستضعف في وطنه ، فيمنع من إقامة دينه فيه ، فإن لم يفعل ذلك دخل تحت وعيد قوله : « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ؟ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ - قالُوا : أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ؟ فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً . إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً » . ثم بين أحق الأمرين بالرفض وأجدرهما بالبغض متعجبا من كلامهم فقال : ( قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها ) أي ما أعظم افتراءنا على اللّه إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا اللّه منها وهدانا الصراط المستقيم باتباع ملة إبراهيم . وإذا كان اتباع ملتكم يعدّ افتراء على اللّه ، لأنه قول عليه لا علم لنا به بوحي ولا برهان من العقل ، فكيف بمن يفترى عليه ويضل عن صراطه على علم ؟ ، فالكفر بالحق وغمطه بعد العلم به هو شر أنواع الكفر ، والافتراء على اللّه فيه أفظع ضروب الافتراء التي لا تقبل فيها الأعذار بحال . وفي قوله إذ نجانا أي نجا أصحابي منها فهو تغليب بإدخاله في زمرتهم ، أو نجاني من الانتماء إلى هذه الملة التي ما كنت أو من بعقيدتها ولا أعمل بعمل أهلها ، ولم أهتد بعقلي ورأيي إلى ملة خير منها فوقفت موقف الحيرة في شأنها ، كما جاء في خطاب النبي صلى اللّه عليه وسلم قوله : « وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى » وقوله : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ